السمنة؛ عدو أطفالنا الجديد (بقلم رزان حجاوي)
السمنة؛ عدو أطفالنا الجديد (بقلم رزان حجاوي)

من مظاهر التطور والتقدم الحضارية الانفتاح على الشعوب، وجعل العالم قرية صغيرة. وهذا أثر على الكثير من المجتمعات من خلال تطور وسائل النقل والمواصلات بشكل خاص؛ فلم نعد نرى الكثيرين يمشون للتنقل بين مكان وآخر. والأهم أن أطفالنا لا نراهم الآن يلعبون في الملاعب والحارات، ولكن باتت متعتهم الألعاب الالكترونية والاستلقاء لمشاهدة التلفاز. فالحركة للأسف، هي الآن مقتصرة عند الأغلب من السرير إلى السيارة إلى كرسي العمل أو مقعد الدراسة ثم إلى المنزل إلى السرير أو الكنبة وهكذا. وهذا كله يزيد من كسل الإنسان وقلة حرق العمليات الحيوية في جسمه. ولا ننسى أبداً انتشار مطاعم الوجبات السريعة في بلادنا، التي تباع بأسعار مناسبة للأغلبية وأيضاً بنكهات وأصناف كثيرة تجذب الناس إليها. فلو كنت كأب أو أم أفضّل مظاهر العيش المذكورة أعلاه، فكيف لأطفالي أن يعتادوا على الحياة الصحية والحركة؟

تعاني مجتمعاتنا حديثاً من زيادة الوزن بشكل عام، والسمنة بشكل خاص. وتنتشر السمنة بكثرة بين صفوف الأطفال نتيجة كثرة مطاعم الوجبات السريعة، كثرة تناول الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية والفائدة الغذائية القليلة؛ أي أنه اختلال في ميزان السعرات الحرارية. بالإضافة إلى قلة الحركة والاعتماد على وسائل المواصلات الحديثة، والأجهزة الالكترونية المنتشرة في كل مكان. والسمنة تعرّف عالمياً على أنها زيادة نسبة الدهون في الجسم. أما زيادة الوزن فهي الدرجة التي تسبق السمنة، فتعرّف على أنها زيادة في وزن الإنسان مقارنة بطوله.

الاهتمام بسمنة الأطفال يكون مضاعفاً وله الأولوية، فالطفل قد يعاني في كبره من أمراض العصر السارية كالضغط، والسكري، وأمراض القلب والشرايين، وأيضاً ارتفاع معدلات الكوليسترول. وفي دراسة أجريت عالمياً على شريحة من الأطفال أعمارهم بين 5-17 سنة، اتضح أن 70% من المشاركين في الدراسة ممن يعانون من الوزن الزائد كانوا عرضة للإصابة بواحدة على الأقل من الأعراض المذكورة أعلاه. كما أن السمنة في الصغر تؤثر بشكل مباشر على بلوغ الجسم مبكراً وخاصة للبنات. بالإضافة إلى كل ذلك، فالسمنة تحد من حركة الطفل الاعتيادية نتيجة حمل وزن زائد على الركبتين والمفاصل، فلا يستطيع الركض كأقرانه من أصحاب الوزن الخفيف، وهذا يشكل خطراً للإصابة بأحد أمراض المفاصل.

والكثير من الأطفال تؤثر السمنة عليهم نفسياً أكثر من جسدياً، أي بمعنى أن ثقتهم بنفسهم تصبح أقل من غيرهم. فلا يجدون الملابس المناسبة لهم في محلات بيع ملابس الأطفال. أو يجدون خيارات محددة لقطع ملابس قد لا تعجبهم. وأيضاً قد يتعرض هذا الطفل لكلمات جارحة من المحيط؛ مثل: الطفل الدبدوب، بطة، ناصح، فطبول، ... وغيرها من الكلمات التي تؤذي مشاعر الطفل حتى وإن قيلت على سبيل المزاح. فلنحرص دوماً على مراعاة مشاعر الغير حتى لا نسبب لهم الحرج والضيق. فأي شخص سليم ومعافىً لا يعاني من أي حالة صحية أو مرضية، قد يزداد وزنه بشكل ملاحظ إذا لم يحرص على تخفيف وزنه بالشكل الصحيح من خلال اتباع حمية مناسبة له قليلة السعرات الحرارية، وأيضاً باتباع الرياضة وتمرينات الحركة البدنية لزيادة معدل الحرق في الجسم وبالتالي نقصان الوزن.

نقطة من الجدير ذكرها، أنه في بعض الأحيان يكون ميزان السعرات الحرارية مناسباً لوزن وطول الطفل. وأيضاً حركته البدنية جيدة، ولكن وزنه يزداد بسرعة. هنا واجب الأهل الانتباه لإجراء فحوصات مخبرية للتأكد من صحة وسلامة هرمونات الجسم وعمله الداخلي. والمتابعة مع طبيب مختص أو مع أخصائي التغذية لمتابعة الحالة قد تفاقمها. وفي أحيان أخرى، قد يكون السبب وراثياً، فالجينات تلعب دوراً مهماً وبالتالي على الأهل الانتباه على تغذية أطفالهم قبل الوصول إلى مؤشر السمنة، أو حتى قبل الوصول إلى الوزن الزائد.

ومن مظاهر حب الآباء لأبنائهم اهتمامهم بصحتهم وتغذيتهم السليمة؛ إلى جانب الاهتمام بلباسهم الأنيق، ودراستهم المتفوقة. والطفل على ما اعتاد عليه؛ فأجدادنا قالوا: من شبّ على شيء شاب عليه. أنصحكم أعزائي الآباء بتوفير الغذاء الصحي في المنزل ليكون بين أيدي الأطفال متوفراً بكل سهولة. فبدلاً من توفير الشيبس، لنقدم لهم البوشار. ولنستبدل المشروبات الغازية بالعصائر والكوكتيل مثلاً. ومن الجميل تعويدهم على تناول الخضروات الطازجة مع وجبة الفطور أو العشاء بدلاً من شرب الشاي. ولنقدم لهم الفواكه على اختلاف ألوانها ومذاقاتها كوجبة خفيفة بين الوجبات، أو مثلاً كوباً من الحليب المضاف إليه الفاكهة الطازجة أو القليل من الكاكاو. هكذا نكون قد اقترحنا وجبات سهلة لا تحتاج الكثير من الجهد والوقت حتى لا تقول إحداهنّ "أنا موظفة ولا وقت لدي لتحضير الوصفات".

أصناف الأكل كثيرة وغير منتهية، ودوماً هناك مئات الوصفات التي من خلالها نستطيع جذب الطفل لتناولها بشهية ويحصل على الفائدة في الوقت ذاته. ومن الجيد إشراك الطفل نفسه بإعداد أطباق الطعام أو تحضير سفرة الطعام مثلاً، حتى يتشجع على تناول ما أعدّه. إلى جانب ما يأكله الطفل هناك عادات صحية معينة من خلالها نهتمّ بغذاء أطفالنا، ومنها عدم تناول الطفل طعامه على التلفاز؛ وذلك حتى نسيطر على كمية الطعام المتناوَلة. وأيضاً تحديد أوقات وجبات الطعام اليومية لتنتظم عمليات الهضم والحرق الداخلية في الجسم. والنقطة الأهم هي إبعاد أسلوب الثواب والعقاب عن الطعام، بمعنى أن لا نربط بين إنهاء الطفل لطبق طعامه كاملاً، وبين أخذه بمشوار أو شراء لعبة له. فالطعام حاجة أساسية لا نساوم عليها.

فلنحرص كآباء وأمهات على أن يكون أطفالنا بأفضل صحة وأقوى جسد لنضمن لهم نمو سليم ونشاط كامل  ولنكون قدوة جيدة لهم حتى في عاداتنا الغذائية الصحية.